الشيخ الطوسي
88
التبيان في تفسير القرآن
إلى السجود ، وإن كانوا لا ينتفعون به . ثم قال ( خاشعة أبصارهم ) أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون نظرهم عن الأرض ذلة ومهانة ( ترهقهم ذلة معناه تغشاهم ذلة يقال : رهقه يرهقه رهقا ، فهو رهق إذا غشيه ، ورهقه الفارس إذا أدركه ، وراهق الغلام إذا أدرك . وقوله ( وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) يعني دعاهم الله تعالى إلى السجود والخضوع له في دار الدنيا وزمان التكليف ، فلم يفعلوا ، فلا ينفعهم السجود في ذلك الوقت . وقوله ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) تهديد ، ومعناه ذرني والمكذبين أي أوكل أمرهم إلي كما يقول القائل ادعني وإياه . وقوله ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) معناه سآخذهم إلى العقاب حالا بعد حال . وقوله ( وأملي لهم ) أي وأطيل آجالهم وأؤخرها ( إن كيدي متين ) أي قوي ، فكأنه قال سنستدرج أعمالهم إلى عقابهم وإن أطلناها لهم نستخرج ما عندهم قليلا قليلا . وأصله من الدرجة ، لان الراقي ينزل منها مرقاة مرقاة فأشبه هذا . ووجه الحكمة في ذلك أنهم لو عرفوا الوقت الذي يؤخذون فيه لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت ، وصاروا مغربين بالقبيح ، والله تعالى لا يفعل ذلك . قوله تعالى : ( أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ( 46 ) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ( 47 ) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ( 48 ) لولا أن تداركه نعمة من ربه